الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
452
تفسير روح البيان
عن السير إلى اللّه متوجها إلى الحضرة بعزيمة كعزيمة الرجال فإن كان له الولدان وهما بمعزل عما يهيجه من الصدق والمحبة فهما بجهلهما عن حال الولد يمنعان عن صحبة الشيخ وطلب الحق بالاعراض ويقبلان به إلى الدنيا ويرغبانه في طلب جاهها ومالها ويحثان على التزويج في غير أوانه فالواجب على المريد ان لا يطيعهما في شئ من ذلك فان ذلك بالكلية طاغوت وقته وعليه ان يكفر بالطاغوت ويؤمن باللّه ليستمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها وهما يجاهدانه على أن يشرك باللّه لجهلهما بحاله وحال أنفسهما وانه يريد ان يخرج عن عهدة العبودية الخالصة لربه كما قضى ربه ان لا يعبد الا إياه ولا يعبد ما دونه من الدنيا والآخرة وما فيهما وما يعلمان انهما من عبدة الهوى وانهما يدعوانه إلى عبادة غير اللّه فالواجب عليه ان لا يطيعهما في ذلك ولكن عليه ان يردهما باللطف ولا يزجرهما بالعنف إلى أن يخرج عن عهدة ما قضى ربه من العبودية بالإخلاص ثم الواجب عليه ان يحسن إليهما ويسمع كلامهما ويطيعهما فيما لا يقطعه عن اللّه على وفق امره ثم أوعد الجميع بالمرجع اليه فقال ( إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ ) أيها الولد والولدان ( بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) من العبادة الخالصة للّه ومن عبادة الهوى على لسان جزائكم ليقول لكم ان مرجع عبدة الهوى الهاوية ( وَالَّذِينَ آمَنُوا ) بمحبة الحق ( وَ ) طلبوه بان ( عَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) اى أعمالا تصلح للسير إلى اللّه والوصول إلى حضرة جلاله ( لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ ) اى نجعل مدخلهم مقام الأنبياء والأولياء بجذبات العناية تفهم ان شاء اللّه تعالى وتؤمن به وَمِنَ النَّاسِ مبتدأ باعتبار مضمونه اى وبعض الناس والخبر قوله مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ اى في شأنه تعالى بان عذبهم الكفرة على الايمان وهو مجهول آذى يؤذى أذى وأذية ولا تقل إيذاء كما في القاموس والأذى ما يصل إلى الإنسان من ضرر اما في نفسه أو في جسمه أو في قنياته دنيويا كان أواخر ويا جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ اى ما يصيبه من اذيتهم والفتنة الامتحان والاختبار تقول فتنت الذهب إذا أدخلته النار لتظهر جودته من رداءته وأطلقت على المحنة لأنها سبب نقادة القلب كَعَذابِ اللَّهِ في الآخرة في الشدة والهول ويستولى عليه خوف البشرية إذ من لم يكن في حماية خوف اللّه وخشيته يفترسه خوف الحق فيساوى بين العذابين فيخاف العاجل الذي هو ساعة ويهمل الآجل الذي هو باق لا ينقطع فيرتد عن الدين ولو علم شدة عذاب اللّه وان لا قدر لعذاب الناس عند عذابه تعالى لما ارتد ولو قطع اربا اربا ولما خاف من الناس ومن عذابهم وفي الحديث [ من خاف اللّه خوّف اللّه منه كل شئ ومن لم يخف اللّه يخوّفه من كل شئ ] وقال بعضهم جعل فتنة الناس في الصرف عن الايمان كعذاب اللّه في الصرف عن الكفر : يعنى [ ترك ايمان كند از خوف عذاب خلق چنانكه ترك كفرى بايد كرد از خوف خداى تعالى ] وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ اى فتح وغنيمة للمؤمنين فالآية مدنية لَيَقُولُنَّ بضم اللام نظرا إلى معنى من كما أن الافراد فيما سبق بالنظر إلى لفظها إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ اى متابعين لكم في الدين فاشركونا في المغنم وهم ناس من ضعفة المسلمين كانوا إذا مسهم أذى من الكفار وافقوهم وكانوا يكتمونه